حملتُ أحداثها وصراعاتها، وتبادل حواراتها، في بطني سنة ونصف.
ابتكرْتُ لها الأدوار، والأزياء الملائمة لأعمارها، ووظيفتها، ومكانتها وزمنها. صنعت من أجل إخراجها، أسرّة من ورق، لا أنفكّ أمزّقها وأعيد صياغتها، وشكرت أديسون لاختراعه المصباح، لأنير صالتها المغلقة، بكشافات ضوئيّة ملوّنة، تختلف في شدّتها، حسب حالتها من الخوف الأصفر، الاطمئنان الأزرق، وغضبها وقلقها الأحمر. أهديتها في اللّيل قمراً، ونجوماً، وفي النّهار شمساً وبحراً وسفينة، ليرافقها المتفرّجون حيثما تذهب، صنعت من أجلها حلوى الرّقصات والأغاني، وقسّمناها مع إبداع الممثلين، بالتّساوي على جمهور، يحتفي بمولدها، يحتضنها بين ذراعيه، مبتسماً، ويقدّم عبارات استحسانه، وتصفيقه، كهدية على دهشته بها، بدلاً من الشغب، الاستهجان والتصفير، تعبيراً عن سخطه من فشلها. لم أكن أعلم أنّها ما إن تولد وينتهي الجميع من تذوّقها، حتّى تتكوّر على نفسها، لتموت في نفس المكان واللحظة. هل هي عين الكاتب الأنانية، التي لا ترضى أن تتخلّى عن عملها بسهولة.
رأيتكم تقبلون نحوي، تسلّمون عليّ، تقدّمون لي التّعازي، قائلين:
ـ "ع قبال الأحسن والأجمل"!
يا إلهي ما أصعب هذه الجملة على مسامعي، وظللت أردد، الأحسن؟ الأجمل؟
وازداد شعوري بالحزن، شعور أشبه باكتئاب امرأة ما بعد الولادة، وبعري الأشجار إثر عاصفة، أسدل عليها الخريف ستائره، فاصفرّت أدوارها الخضراء، وتطايرت على الرّصيف أزهارها، وداست بطاقات الدّعوة لحضورها، أقدام الحضور، وهم يتوجّهون إلى باب الخروج حيث مثواها الأخير.
أحببتُ أن أناديكم: انتظروا لا تذهبوا، احملوها معي، لأضعها في نعش صغير يُدعى "سيدي أو د.ف.د"، قفوا معي، لأحفر اسمها على قبرها "مشاكل عصريّة"، وأكتب تحته: "أفرحت أطفالا وماتت مبتسمة". كلّما خطر على بالي أن أزور قبرها، أنسى شراء باقة زهور صفراء!
لأنسى، هربت بين كتب المسرح العالمي، وقرأت "بعد السقوط" لآرثر ميللر، و"الثعالب الصغيرة" لـ ليليان هيلمان، و"انحراف في قصر العدالة" لـ أوجو بتي، لكنّي شعرت بحزن أكبر، فالمسرح ابن اللحظة ومشاكل الحاضر، ولم ينسني نفسي، إلا الكاتب العظيم "يوجين يونيسكو"، الذي لا يسعى بكتاباته إلى إرضاء احد، ولا يقرّ بحسن ضيافة أحد، رافضاً أيّ مديح. فهل ألد مسرحية أخرى، لا تضع في أصابعها، خواتم الإرضاء المزيّفة؟ أو حتى اسكتشاً أشبه برجل حقيقي، يجلس منهكاً، يخلع حذاءه علانيّة، ناشراً رائحة قدميه الكريهة حوله، ينتشل قطع الفطر واللّحم من صحن مضيفه، يستحمّ ويخرج، تاركاً وراءه الأثر؟ أليس النّفور أبو المسرح والمحبة أمّه؟ اسكتش لا يشعر بالذّنب، بالتّعلق أو النّدم. اسكتش ينام ويستيقظ تاركاً كلّ شيء على حاله، حتّى النّوافذ لا يفتحها، ينكش أسنانه، يسعل، يتفل، يتلمّظ، يفتح عليك الباب دون استئذان، ثم يغلقها بقدمه، يسرّح شعره الغزير بمشطك، ويترك بين أسنانه بقاياه، تشفطه مكنسة السجاد فتتعطلّ، اسكتش لا يُنسى._,_.___